الأحد، 13 يناير، 2008

أستقالة




كنت أعرفه جيد... مع أنه لم يكن صديقى او حتى زميلى فى العمل ولكنه كان زميلا لصديقى عبد الحميد فى محطة القطار التى كان يعمل بها. عرفته رجلا قويا جسورا... ضخم الجثة وكأنه شجرة كافور عجوز، وكان صوته قويا اجش يذكرنى بصوت القطارات عند دخولها المحطة، فلقد كنت أخاف صوت القطارات ولا اعرف لماذا

كان شاربه الملبد على وجهه الاحمر اللامع المشدود يؤكد لى ان هذا الرجل لم يكن رجلا عاديا بكل ما تحمله كلمة رجولة، بل كان رجلا خارقا كالقطارات الحديدية التى أستراحت فى جراج المحطة لتكمل بعدها مسيرتها الشاقة

أنه عم جابر، هذا الرجل الذى أحببته بقدر ما كنت اهابه... كنت كثيرا ما استمع إلى قصصه المثيرة التى طالما أظهر بها نفسه وكأنه فارس مغوار يقود القطار و كانه يمتطى جوادا جامحا. مع ان سنه كان يجاوز الخامسة والخمسون، إلا انه كان يمتلك من الصحة والنشاط ما افتقره أنا أبن الخامسة والثلاثون

حتى جاء هذا اليوم الذى أصبح محفورا فى ثنايا ذاكرتى وقلبى... فلقد ذهبت لعبد الحميد بعد العمل كعادتى ، حتى رأيته نعم... رأيت عم جابر، ولكنه لم يكن عم جابر الذى اعرفه فلقد كان بقايا رجل مهدود...فشعره الأسود اللامع أصبح كالقطن الابيض، وعيناه الواسعتان الثابتتان أصبحتا شاردتان ذابلتان وكانهما وردة ماتت قبل ان تتفتح، وشعرت بانه اصبح اقصر وأقل حجما، حتى وجهه المشدود الاحمر انهمر بالتجاعيد الواضحة.لم اصدق ما تراه عينى فأسرعت إلى عبد الحميد الذى كان قد اصبح هو الاخر حزينا بائسا... سألته فى ذهول "ايه الى حصل؟" فأجابنى فى صوت خارت قواه " عم جابر ... قدم استقالته" فعلا صوتى قليلا قائلا " ليه يا عبد الحميد " فأجاب فى هدوء وكانه لا يريد ان يسمع ما يقول " النهاردة وهو جاى من اسكندرية خبط عيل كان بيعدى السكة الحديد" فلاحقته بقولى " وهو يعنى ذنبه ايه ولا فى ايده ايه ده قدر الواد ، بعدين هو سايق قطر مش عجلة" شعرت باننى بكلامى هذا قد اضفت جديدا وكاننى وجدت المسكن الامثل لعم جابر وأنه إذا استمع إلى سوف يسحب إستقالته ويعود ليحكى لنا تاريخة المشرف الذى طالما ما افتخر به أمام نفسه وامام الجميع، لكن عبد الحميد لم يابه بكلامى وسار بعيدا وهو يتمتم "الراجل مش مستنى الكلام ده ، الراجل انهد ".