الأربعاء، 26 مارس، 2008

الراحة الابدية

اظنها أصبحت عادتى.
لقد أدمنتها.
تأملى لهؤلاء السائرون...التائهون...الغاضبون...المبتسمون....المتعبون... المحملقون
فى وجوه الاخرين.
أدمنت ذلك المقعد ...هو ذاته دائما....انتظره حتى يفرغ لي انا وحدي....احتضنه بجسدى وانصهر عليه لا ابارحه حتى يحين الرحيل.
ذلك المقعد فى محطة السادات(التحرير) بمترو الانفاق....كانت بداية تلك العادة صدفة...كنت متعبه وقررت الإنتظار...حتى اكتشفت أنها افضل ما أعتدت عليه في حياتى...تأملى لتلك الاعين والوجوه المتلفته...تلك النظرات المتبادلة من هؤلاء الذين امتلأ بهم رصيف المحطة...تأتى تلك الخردة الحديدية لتلفظ من فيها وتبتلع المزيد...دون ادنى تدخل من تلك الكتل الإنسانية المتكدسة.
كررتها بكل حب وأستمتاع حتى صارت عادتي.
جذبتنى بشده....هذه الفتاه الصغيرة التى علت ضحكاتها بين المنتظرين...رأيتها تجرى وتقفز فى براءة وسط الزحام برغم كونها بائعة جائلة...برغم كونها لم تتعدى الثمان سنوات...إلا ان معالم الحزن والاسى أمتزجت مع تلك المعالم الطفولية والبراءة التى نضحت على وجهها الأسمر المتسخ بلون ملابسها البالية...أنطلقت الفرحة تقفز من عينها اللامعه...أخذت تجرى كفراشة هائمة بين المصطفين ....ارادت ان تتناسي ولو لخمسة دقائق ألم قدميها الصغيرتان المليئة بالجروح والتى تشققت من التجوال لتعلن عن كونها لا تملك حتي مجرد حلما تحياه كغيرها من من في سنها...حاولت ان تنسى خوفها من صفعات زوجة ابيها ولكمات والدها السكير...تمنت لو ان تعود لها امها التى ماتت منذ عامين...حينها كانت توعدها بان تدخلها تلك المدرسة التى طالما حلمت بها...وان تأخذها من يديها في اول يوم...امى أشتقت إليكي كثيرا...انا اعاني....لقد اصبحت طفلة عجوز....أمى!!!!!!!
دوى صوت القطار القادم من بعيد ...فأختطف بقايا تلك البسمة وأيقظ ما بداخلها من الألام...أرتسمت مسحة الحزن على معالم وجهها الصغير...أستسلمت للحياه...أرتدت حقيبة البضاعة على كتفها النحيل المثنى واخترقت الزحام في محاولة منها للدخول قبل إنغلاق الابواب...تكاثر الراكبون علي الابواب وكادت الابواب ان تنغلق وهى تصدر ذلك الصوت المألوف "تين ...تين".
إستطاعت تلك الكائنة الضعيفة ان تثبت إحدى قدميها علي حافة الباب
خانتها القدم الاخرى
فأنفلتت تلك القدم الراسخة وسقطت فى الفارق الضيق بين الرصيف والقطار فى اللحظة التي انغلقت بها الابواب ولم تستطع نظرات الذهول والدهشة من الاخرين ان تحذر سائق القطار الذى لم يلحظ ما حدث وانطلق بأقصى سرعته علي القضبان.
ماذا حدث....تيبست فى مكاني...تعالت الصرخات فلم تظهر صرخاتي المتحشرجة "الحقوها ...البنت الصغيرة فين...الحقوها".
وانتهت تلك القصة المؤلمة ...لتعلن راحتها الابدية.