الاثنين، 21 يناير، 2008

رب ضارة نافعة


ها هى السماء و كأنه الجحيم الذى فتح على مصرعيه... تأججت الشمس وكانها جمرة من سعير... كانت المواصلات مزدحمة، كما أن أسعارها تجعل من يفكر فى تحملها أكثر الناس لوما لنفسه على هذا الصفيح الساخن.
فأتجه الرجل السمين والذى أبتلت ملابسه من شلالات العرق التى أخذت تنهمر من بين طيات بطنه تلك البطن التى برزت وكانها جبال اطلس، وارتسمت الاملاح على قميصه الاحمر واخذت صلعته الملتهبه تتصبب عرقا مالحا والذى سريعا ما يدخل فى قميصه المفتوح فيبل اكوام الشعر الملبد الذى تناثر علي صدره وكانه غوريلا عجوز.
أسود المنديل الابيض الذى كان يضعه على ياقته من كثره ما التصق علي رقبته من اتربه تلك الرقبة التى انتفخت وكانها رقبة ديك رومى ثائر.
اتجه هذا السمين إلى محطة القطار ليقطع تذكرة بقطار الدرجة الثالثة المتوجه إلى الصعيد، وبالفعل انحشر داخل الصف الطويل وأخذت رائحة عرقة النفاذة تتسرب إلى من حوله فكان ذلك سببا في خلو شباك التذاكر امامه، فقطع التذكره واخذ يجرى مسرعا نحو القطار بعد ان سمعه يطلق صفير الرحيل... ولكنه كان يجرى كسلحفاه عجوز لذا لم يكن من جريه فائدة، ولكنه لم يياس ولم يتوقف عن جريه وراء القطار الذى كان قد بدأ حركته البطيئة.
ولكن هذا التعيس كان يحمل على قدميه القصيرتان حملا ثقيلا فهذه البطن المنتفخة لم تكن بالحمل اليسير، لذا وقع على رصيف المحطة وأخذ يتدحرج علي الرصيف لولا ان ساعده أحد المارة على النهوض وقال له في سخرية "ياعم الجرى له ناسه" .
وقف السمين ونظر إلى نفسه فى ضيق وإشمئزاز واخذ يسب ويلعن فى هذا الجسد المترهل. وقرر اخيرا انه سيبقى منتظرا القطار المقبل فلن يسمح بضياع ثمن التذكرة.
فسأل عن ميعاد القطار التالى فأخبروه بانه سياتى بعد ساعتين، فبحث عن قطعة ورق ووضعها على سلم المحطة واستند بظهره المبتل على الحائط الرخام.
كان يحاول النوم ولكن النوم ظل يعانده فلقد كان ينتفض من الضيق كلما تذكر مشهد وقوعه علي رصيف المحطة أمام الجميع. التقطت عيناه كلمه كانت عنوانا لمقاله علي ورقة الجريدة التى جلس عليها كانت هى " رب ضارة نافعة" لم ييقن حينها ماذا تعني، تجاهلها وغط في نوم عميق.
وصل القطار فلحقه هذه المرة ووجد مقعدا واسعا فأنبسط عليه ونادى علي احد النحفاء الذى بدا عليه أنه يبحث عن مقعد فارغ فدعاه بدعوى الاخوة للجلوس بجانبه، ولكنه فى الحقيقة كان يبحث عن من يجلس بجانبه في هذا الشق الصغير. وجد رجلا يبيع السميط فأشترى منه خمسة سميطات وأخذ ياكلهم محاولا اياه كسر ملل الطريق.
بعد قليل شعر بشىء غريب يحدث حوله، الكل يجرى فى أروقة القطار.... وضع ما تبقى معه من السميط في جيبه و ترك نفسه لقوة الدفع التى افقدته اتزانه وجعلته يقع على أرضية القطار ولم يستطيع بعدها القيام مرة أخرى... شعر ان القطار قد اصبح فرنا فأيقن حينها بأن القطارقد اشتعلت به النيران ، ثم شعر بألسنة النيران تداعب قدماه القصيرتان التا امتدتا خلفه......................... فصحا من نومه مفزوعا وهو يردد " حتى فى احلامى أعانى من هذا الجسد اللعين" . ثم نظر في ساعته وايقن أن القطار علي وشك الرحيل فأسرع ليلحق به..... لم يدرك ما يحدث فلقد فاته القطار مرة اخرى..... حينها قرر الرحيل..... ولكنه لاحظ بشىء مريب علي المحطة وسمع احدهم يقول لصاحبه بان القطار السابق قد التهمته النيران ولم ينجو احدا من الحادث.....فشرد السمين قليلا ثم ألتمعت عيناه وأخذ يقفز وكانه فراشة صغيرة تحلق فوق الرياحين وتذكر الكلمة التى رأها " رب ضارة نافعة " وايقن حينها ان جسده انقذه من اللحاق بالموت وخرج من المحطة مسرعا وهو متباهى بهذا الجسد المنفوخ وأتجه إلى سوق الحمير ليشترى حمارا يسافر به إلى الصعيد أئمن له من الالات ذات العجلات.